طلاق عسكري..
لم يكن الأمن في بغداد مستتبا يومها, ولكنه يحتضر للاستتباب,
فما زال حال الناس يراوح بين الخوف من قادم المجهول, وبين مجهول الحاضر.
يقال: إن الشعوب تتحمل الكأد, وتصطبر على الأذى,
ولكن لو كانت تؤمن بقضية حقيقية عادلة,
أما ومهما أقبعت في ظلام واقع ظالم ~ خلى من تلك القضية,
كان لا بد لها من ثورة عارمة تكسّر خلالها الأصفادَ نهاية ً.
هنا..
وفي هذه المدينة, تأسست كل مذاهب الانقلابات, ووضع هنا أول حجر على حجر لنصب الخروج,
( فاوصمهم أنت بما شيت أن توصم, ما أدراكَ أنتَ وما يختلج الثوّار؟؟ ).
إن الاحتلالات التي نجحت في مكان, أخفقت في مكان آخر, فراحت تغير جلبابها وكأنها الأفعى التي تستبدل جلدا بجلد, ( فقط تغيرت المسميات, لا غير ), فانطلت الخدعة على الكثير,
( حاكم عربي )..
إذن سلِمَ الشعب من الاستعمار!!, وتحصنّ بلقاح الحرية.
إلا هنا.. لم ينجح المستعمر أبدا, لا بهذه ولا بتلك, رغم طول مشروعه الذي ما زال قائما لحد هذه الساعة ينفق عليه الآلاف من الـ( ... )ـيونات,
وبرغم تغيير المسميات, والعناوين, والشعارات, وبرغم استيراد الحكّام من هنا ومن هناك, ما تجانس هذا الشعب مع حاكم بصناعة تايوانية, ولا حاكم صنعته أياد أمريكية بسحنة عربية.
السؤال: ما الذي يريده هذا الشعب..؟
الجواب: لستُ أدري.. ولكنني أعتقد بأنه يريد الثورة, يطلبها بقوة, ويعشق الانقلاب,
جمعهما عصرُ يوم الجمعة كعادتهما التي تعوداها منذ أن كانا يافعين, ذلك المقهى الذي يحتل ركنا صغيرا من بداية شارع أبي نواس. أليوم صار طعم المقهى مختلفا, فلقد ارتأى صاحبه لاسطوانة السيدة الراحة أخيرا, وبعد حقبة طويلة من اللف والدوران, أصيبت خلالها بما أصيبت من شروخ طارئة.. أجلسها على دكة الاحتياطي, وأنزل مكانها اسطوانة عبد الوهاب, فتغيرت خطة اللعب إلى: ( أفكر بلي ناسيني ).
اندست يدُ سلمان بجيبه لتمتشق علبة السجائر,
وبحركة مدمن رشيقة استلّ واحدة فقدمها إلى صديق عمره نبهان,
نبهان وهو يلتقط السيجارة: اليوم أشعر بدوار بسيط لا أعلم ممّا ذاك.
سلمان وبابتسامة عريضة ماكرة: لولا خفّفتَ من وطأة الفراش قليلا ( ولك انته ما تصيرك جاره ).
نبهان وبعد أن استعدلَ في جلسته وقد أخذه الزهو بنفسه للبعيد, كان يودّ لو أن كلّ الجالسين انتبهوا لمقولة صاحبه التي جاءت تعترف زورا بفحولة أكل عليها الخدر وشرب سنينا طوالا:
ها ها ها ( الدجاجة تموت وعينها ع المزابل ).
سلمان: هل لحظتَ كثرة اللافتات اليوم المعلقة على كل جدار هنا وهناك..؟
نبهان: لم يتبق شيء على موعد الانتخابات, فهم يحشدون كل طاقاتهم المالية والنفوذية من أجل اكتساب المزيد من الأصوات.
سلمان: لا أعلمُ لمَ خطر الطلاق بنفسي,
نبهان: أيّ طلاق تقصد؟
سلمان: طلاق الرجل زوجه
نبهان وبامتعاض: ( اشجاب الباميا ع الجلاق ) ؟؟!!
سلمان: لمَ خصّ الله المسلمين بشرعية الطلاق؟؟
نبهان: وهل هو خاص بالمسلمين فقط؟؟
سلمان: تحتاج لتثقيف كثيف يا صديق العمر, نعم هو كذلك أو بشروط مختلفة,
نبهان: ( الزبدة ) ؟؟
سلمان: أجد أن حقك في الطلاق, هو أشبه ما يكون بحقك لممارسة الانقلاب, التمرد على واقعك المرير, تصور يا نبهان.. وأنتَ تعاشر وجها لا يمضّ خلاله مشرط الجراح, مجبور أنتَ على مشاهدته, حتى وإن حاولت جاهدا بعينيكَ تجنبه والإشاحة عنه, فما زالت رائحته تستعمر زوايا حياتك هنا وهناك, ظله القابع, صوته الناعق, مجرد إحساسك بوجوده, شيء بمنتهى الوجع يا صديقي وأنتَ تحسه يتلصصك ويحصي عليكَ الأنفاس, فكيف إذا كان ذات الوجه صابا عليكَ المتاعب, مستغلك, يبتزك, يسرقك ويستنزف رونق عمرك, يذبحك كل ساعة, بل ويخونك أيضا يا نبهان, ؟؟. أليس الأولى أن تمارس ضده حقك في الخلاص, لتستنشق هواء صافيا..؟
نبهان وهو لا يفهم شيئا مما قيل: بدأتُ الآن أشعر بمدى حجم قلقي إزاء فلسفتكَ التي لا أدري إلى أين ستذهب بك يا صديق, ولكن هل هذه العملية سهلة؟؟
سلمان: الحرية لا تدركُ بالساهل يا صديقي, عليكَ أن تصمم, وأن تشحذ الهمم, وتضحي, وقبلها عليكَ أن تصل بنفسك لقرار بمبدأ عميق الجذر ضاربه, فالشجرة الهزيلة لا تصمد أمام الرياح, ستجتثها بدءا أو أخيرا يا صديقي.
ستضيق عليك الحِلق, وستتقلص منك الأنفاس, وستسفح دما في كل الأماكن, ولكن.. يجب أن يبقى صوتكَ عاليا, مدويا, لا يكاد يسكت, فالانتصار آت لا محالة, لو كان الإصرار على النجاح ديدنك وبرنامجك نحو الحرية والخلاص.
نبهان: أووووه النساء هن هنّ, مجرد شكل يتغير, أما الجوهر فلا أعتقد له كثير اختلاف في ما بينهن يا صديقي, ولكن وبنظرتي المتواضعة, أرى الحائز على الجمال, قد استطاع الظفر بميزة مضمونة على الأقل, لأن جوهر المرأة كالبير, لا تكاد تعرف له قرارا, فهو في علم الغيب, لا يعلمه إلا الله, فعليك بالظاهر, فإن أنتَ أخفقت بالجوهر, عوض الظاهر بعض ما افتقدت, وما زلت أحفظ وصية جدي رحمه الله عن ظهر قلب حيث قال لي ذات يوم: يا بني.. لو قررتَ في يوم ما الزواج, فإياكَ ثم إياكَ أن تغلط غلطة جدك الذي دفع لها عمره ضريبة, ما عليكَ من الكلام الذي سيحشون به آذانكَ يوم وأثناء البحث عن زوجة لك, الأخلاق, الشرف, التقاليد, الأصل, عليكَ بالجمال يا ولدي,
ها هوَ جدّكَ قد اختارَ الشرف والنسب والأصالة, فما الذي جناه ؟؟.
سألته ما الذي جنيته يا جدي؟؟
قال لي: أنظر لوجه جدتك لتعلم ما الذي جنيت.
سلمان: لا لا أنا لا أوافقك الرأي, فالوجوه يا صديقي لعبة العصر, والكلام المعسول هو حقنة البنج,
التي امتنعت عن التأثر بها أجسامنا من فرط الجرعات المتلاحقة, فمبدأ التسليم للظاهر هو مبدأ السفهاء, ولكن يجب علينا أن نجعل كل اهتمامنا منوطا بالجوهر لا الشكل,
نبهان: كلهن يا صديقي يجعلن الشمس في يمينك والقمر في يسارك أثناء فترة الخطوبة, وتسمع من الكلام أحلاه, وتجد من الخلق أنقاه, وما أن تحين ساعة الصفر حتى تنقلب الأمور رأسا على عقب, فإذا بحلو الكلام قد استحال لعلقم مر, وبنقاء الخلق استحال إلى كدر, وأنتَ مبهوت لا تستحضركَ مقولة سوى - ها قد ( وقع الفأس بالرأس ) وانتهى الأمر.
سلمان: وتستسلم لهذا الواقع, هذه المقولة التي أوردتها هي رأس مال المفلسين, ومن العار على الرجولة الإستكانة لها يا حبيب.
ما كاد يكمل سلمان مقولته حتى نهض طالبا من صديقة نبهان القيام فلقد حان موعد الانصراف. وبالفعل نهض نبهان ومضيا معا حتى وصلا لمفترق طريقيهما, فافترقا
دخل نبهان بيته, فإذا بزوجته وهي ماسكة المقشّة
سائلة إياه: أين المسواق ؟؟
أطرق نبهان قليلا ثم باشر ينظر إليها وكله شرود..
فقال: نسيته
وهنا ثارت ثائرة الزوجة وبدأت باستعمال ما لذ وطاب من كلمات مطلية بطعمها الأصلي الفاخر,
جر المسكين قدميه نحو غرفة نومه جرا كما السكران, وهو يستحضر كلام صاحبه, فما كاد أن يتلبث قليلا حتى انقلب راجعا إليها وهو يصرخ: عليكِ أن تحترمين رب البيت, وأن لا ترفعين صوتكِ في حضرته, وها أنا ذا أحذركِ, لو فعلتِها مرة أخرى لسوف أطلقك, هل فهمتِ ما أقول؟؟
ردت عليه وكلها برود: لمَ لا تفعلها الآن وتريح نفسك, وتريحني؟؟
نبهان وهو يكلم نفسه: الأمر سهلا لا كما قال لي سلمان!!!
18/ 12/ 9